الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
441
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بلزوم اجتماع الأمرين في الخبر اليومي بيانه على ما ذكره أن قوله لأكذبن غدا إما أن يطابق الواقع أو لا فعلى الأول يكون حسنا من جهة كونه صدقا مطابقا للواقع قبيحا من جهة استلزامه وقوع متعلقه الذي هو صدور الكذب وعلى الثاني يكون قبيحا لكونه كذبا حسنا لاستلزامه انتفاء متعلقه الذي هو الكذب القبيح قلت ما ذكره إنما يتجه لو لوحظ ذلك بالنسبة إلى خبر مخصوص وأما إذا لوحظ بالنسبة إلى مطلق الكذب في الغد ثم لزوم اجتماع الصفتين فيه إذ حينئذ مختار الأول كما هو ظاهر العبارة ونقول إن ترك الكذب في الغد إنما يكون مع صدقه في جميع ما يخبر به في الغد فهي حسنة من جهة كونها صدقا قبيحة من جهة استلزامها الكذب في الخبر اليومي أن يقال إن ترك الكذب حسن في نفسه ضرورة حسن ترك القبيح من جهة استلزامه الكذب في الخبر الآخر وكذا إتيانه بالكذب الحاصل بالكذب في خبر واحد قبيح من جهة كونه كذبا حسنة من جهة أدائه إلى الصدق في الكلام اليومي إذ المفضي إلى الحسن متصف بالحسن وهذا ظاهر بل يشكل الحال في التقرير الذي ذكره فإنه ليس الخبر اليومي سببا لكذبه في الغد غاية الأمر أن يكون صدقه فيه متوقفا على الكذب في الغد فإن كان الصدق المتوقف على الكذب حسنا أيضا كان الخبر اليومي حسنا من دون أن يكون مشتملا على القبيح وإلا لم يتصف بالحسن والقبح والقول بأن تسليم ارتفاع الحسن حينئذ يقتضي التخلف في الذاتي مدفوع بأن ذلك إيراد آخر لا ربط له بما ذكر كما لا يخفى وبالجملة أن التوقف على القبيح لا يلزم أن يكون قبيحا غاية الأمر أن يقال بثبوت القبح فيما يفضي إلى القبيح ولا اقتضاء إليه بالنسبة إلى الكذب في الخبر اليومي على الأول ولا إلى عدم وقوع الكذب منه في الغد كما ادعاه في الثاني وهو ظاهر فدعوى حصول القبح في الأول والحسن في الثاني من الجهة المذكورة ممنوع بل فاسدة فظهر بما ذكرنا ضعف إيراد التناقض بالنسبة إلى الخبر اليومي وأنه إن تم ذلك فإنما يتم بالنسبة إلى الخبر الآمدي حسبما قرره الآمدي وغيره هذا وقد أورد على الوجهين الأولين باختلاف محل الحسن والقبح فيما ذكر أما الأول فبأن الفعل المنسوخ قد أخذ فيه الزمان المعلوم وقد أخذ الزمان المتأخر في الناسخ ولا ضير في كون الزمان منوطا للفعل الذي هو عرض أيضا فيكون كل من الحكمين متعلقا بطبيعة غير ما تعلق به الآخر مثلا يقال إن صلاة اليهود قبل النسخ كانت مندرجة في طبيعة الصلاة بل كانت الصلاة منحصرة فيه وبعد حصول النسخ خرجت عن تلك الطبيعة والنسخ كاشف عن ذلك لا يقال إن الحكم في الناسخ إن تعلق بالمنسوخ لزم المحذور وإن تعلق بغيره كما هو مبنى الجواب لم يتحقق النسخ لتعلق كل من الحكمين بغير ما تعلق به الآخر ومع الاختلاف بين المتعلقين لا يعقل صدق النسخ إذ نقول إنه يكفي في صدقه اتحاد أصل الفعل مع قطع النظر عن اختلاف الزمان بحيث يعد الفعل في الظاهر مع عدم ظهور النسخ فعلا واحدا وإن صار النسخ كاشفا عن تعدد الفعلين وأما الثاني فبأن كلا من القيود المذكورة التي يختلف الأفعال في الحسن والقبح من جهتهما مأخوذا في وصفه الفعل المتصف بالحسن أو القبح فكل من متعلقي الحسن أو القبح في الفرض المذكور مغاير بالنوع لطبيعة الآخر وأن اندراج الجميع في جنس واحد كالكذب في الفروض المذكورة فالكذب المشتمل على المصلحة المهمة نوع والخالي عنه نوع آخر وهكذا ويدفعها أنه لو بني على أخذ الاعتبارات والوجوه في طبيعة الفعل على القول المذكور كان النزاع بين القولين لفظيا إذ القائل باعتبارية الوصفين يأخذ الفعل بمجرده طبيعة نوعية يختلف حسنها وقبحها باختلاف تلك الاعتبارات والقائل بكونهما ذاتيين يأخذ جميع ذلك داخلا في ذات الفعل أو يجعلها قيدا فيه فاختلاف الحسن والقبح باختلاف تلك الجهات والاعتبارات مما لا خلاف فيه على القولين المذكورين وإنما الخلاف في اعتبارها داخلة في طبيعة الفعل أو خارجة عنها قلت فالظاهر أن النزاع المذكور لا تعود بذلك لفظيا إلا أنه لا يخلو حينئذ عن ثمرة ظاهرة إذ كل موضوع يدعى فيه اختلاف الحسن والقبح بالوجوه الخارجة يجوز للآخر أن يجعلها داخلة في ذات الفعل ثم لا يخفى أن ما ذكر من اختلاف طبيعة الفعل باختلاف كل من القيود مجازفة بينة لوضوح أن أكل الميتة في حال السعة والشدة طبيعة واحدة غير أن الوقوع في الشدة قاض بتحليله بخلاف ما إذا كان في حال السعة وكذا الحال في سائر المعاصي حال الخوف على النفس أو العرض أو العلم أو عدمه على اختلاف المقامات فالقول المذكور إذا كان مبنيا على الالتزام المفروض كما هو قضية الجواب المذكور فهو بمكان من الوهن وقد يجاب عن الثاني أيضا بأن القول بالطبيعتين مع اختلاف الجهات لا يعد فيه من جهة المقامات كضرب اليتيم ظلما وضربه تأديبا فإن مجرد اندراجها في اسم الضرب لا يقضي باتحاد طبيعة الفعل وكذا الحال في القتل ظلما أو قصاصا وعلى سائر الوجوه المجوزة وكذا أكل المال تعديا أو عن إذن المالك إلى غير ذلك فإن من الظاهر أن القائل بكونهما ذاتيين قائل باختلاف الحكم في المقامات المذكورة وليس ذلك إلا أن يجعلها طبائع مختلفة يكشف عنها الشريعة وأما فيما لا يمكن فيه ذلك فتلتزم هناك بحصول الوصفين ونقول باختلاف محلها كما في أكل الميتة عن الشدة فإن أكل الميتة حينئذ قبيح أيضا إلا أن حفظ النفس المتوقف عليه واجب أيضا وتركه قبيح والقبح هناك أيضا أعظم من قبح أكل الميتة فيترجح عليه وكذا غصب أموال الناس قبيح وحفظ دماء المسلمين واجب فإذا توقف على غصب أموالهم حفظ الدماء مع بقاء القبح فلا بد حينئذ من مراعاة أقل القبيحين إن كان هناك ترجيح وإلا فلا بد حينئذ من غصب أموالهم وذلك لا يوجب الحكم بحسن القبح ويندفع ذلك بأن من الظاهر انتفاء قوله الأفعال المذكورة فلا معنى بثبوت القبح فيها وكونهما أقل القبيحين فلو كان ذاتيا لها لما زال إذن كيف ولو كان القبح باقيا فيها وكان الآتي مذموما عند العقل لزم التكليف بالمحال وهو محال باتفاق العدلية والقائلين بثبوت العقلية والقول بثبوت الحكم لقبح فيها بملاحظة ذاتها وإن ارتفع الذم عن فعلها من جهة معارضتها بما هو أقوى في القبح فهو قول بثبوت التقبيح والتحسين بالعارض أيضا ويكون قولا بكونها ذاتيين بالتفسير الأخير وقد عرفت أنه لا يأتي القول بثبوت الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات بل هو قول في الحقيقة إذ ثبوت الحسن من جهة الذات منضما إلى عدم ثبوت ما يقضي القبح إنما يكون بملاحظة تلك الجهة الخارجة عن الذات فكيف مع ثبوت القبح للجهة المقتضية له كما في الفرض المذكور وأورد على الثالث